في لحظة تتجدّد فيها المواجهة الأميركية مع إيران، تكتسب دعوة الباحث طارق علي إلى قراءة كتاب «محور الإمبراطورية» لأفشين متين أصغري راهنيتها. يكشف هذا الكتاب، الصادر حديثاً، كيف تشكّلت العلاقة منذ بداياتها ضمن مخيّلة غربية مزدوجة تجمع الإعجاب الرومانسي بـ«بلاد فارس» والكراهية المتجذّرة للإسلام، قبل أن تتحوّل إلى مسار من التدخلات والانقلابات والصراع على النفط. من الثورة الدستورية إلى انقلاب 1953 وصولاً إلى العقوبات والحروب غير المباشرة، يظهر التاريخ كسلسلة وقائع مترابطة تفسّر لماذا لا يزال الصراع قائماً حتى الآن
إذا سئمنا الأكاذيب، يقترح علينا الصحافي والمؤرخ الهندي طارق علي في منشور على حسابه الفايسبوكي قراءة «محور الإمبراطورية: تاريخ العلاقات الإيرانية الأميركية» لمؤلفه أفشين متين أصغري، قائلاً: «هذا الكتاب لن يخيّب ظنك».
يخرج كتاب أصغري، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا، الذي صدر قبل أسابيع عن دار «فيرسو»، عن السرديات التقليدية حول العلاقات الإيرانية الأميركية ليقرأ تاريخها ضمن نطاق أوسع، ليس فقط من منظور الحكومات، بل من منظور الشعوب، والتجارب الإنسانية والهجرات والاستكشافات، عابراً ما يقرب قرنين من الزمن، منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى قرننا هذا.
يكتب صاحب «الغرب والشرق كلاهما: تاريخ ثقافي للحداثة الإيرانية» من منظوره كمؤرخ وأكاديمي إيراني، شارك في الحركات الطلابية المناهضة للإمبريالية في سبعينيات القرن الماضي في طهران، حين تشكّل إطاره الفكري. يكتب أيضاً مخالفاً معظم زملائه من المؤرخين، الذين يرون أنّ منطلق العلاقات الإيرانية الأميركية كان معبّداً بالفضول البريء والنوايا الحسنة.
أكذوبة البدايات المبشّرة
كان أول التعرف الأميركي إلى إيران مثقلاً بالأحكام المسبقة الدينية والاستشراقية. منذ تصورات جيفرسون عن الإسلام كمرادف للاستبداد، وصولاً إلى خيالاتٍ مجّدت «بلاد فارس» كشعرٍ جميل وسجاد شرقي وعوالم مثيرة، تتشكل صورة مزدوجة: إعجاب رومانسي مختلط بازدراء عميق. وعندما وصل المبشّرون البروتستانت الأميركيون إلى إيران في القرن التاسع عشر، لم يقوّض الواقع طموحاتهم التبشيرية فحسب، بل أعاد أيضاً تشكيل وعيهم، إذ اصطدموا بإسلام بعيد عن تصوراتهم ومجتمع عصيّ على الاختزال. هكذا، تخلّوا عن وهم تحويل الناس عن دينهم وانخرطوا في سلك التعليم والخدمات.
ومع أول تمثيل ديبلوماسي أميركي، بدأت تتبلور سردية مريحة عند النخبة الإيرانية: أميركا قوة بريئة تقف على مسافة من الإمبرياليات الأوروبية. لكن هذه البراءة، كما يستنتج أصغري، لم تكن سوى أسطورة مؤسسة؛ واحدة من تلك القصص التي تفضح نفسها كلما اقتربنا منها.
يتحدث أصغري عن أول الإيرانيين الذين سافروا إلى أميركا وأول الأميركيين الذين أتوا إلى إيران: هذا مارتان الأصفهاني يصل إلى فرجينيا عام 1607 ليصبح مزارع تبغ في فرجينيا، ومن ثم محمد خان المهاجر الإيراني الذي انضم إلى جيش الاتحاد عام 1861 خلال الحرب الأهلية الأميركية. حارب من أجل وحدة البلاد بينما تعرّض هو نفسه لتمييز عنصري داخل صفوف الجيش.
وفي مطلع القرن العشرين، يبرز البهائي علي قلي خان نبيل، الذي استقر في الولايات المتحدة وتزوج من عائلة ثرية، ليصبح جزءاً من دوائرها الاجتماعية. وبينما فشل المبشّرون البروتستانت في تحويل الإيرانيين دينياً، نجحت البهائية في اختراق المجتمع الأميركي منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، وصولاً إلى زيارة عبد البهاء عام 1912، إذ جال في عشرات المدن داعياً إلى وحدة البشر في بلد كان لا يزال غارقاً في انقساماته العرقية.
تبلغ القصة ذروتها الأخلاقية، حين تتحول العلاقة الإيرانية–الأميركية من فضول متبادل إلى اختبار لمعنى التضامن. كانت الثورة الدستورية الإيرانية (1906–1911) لحظةً راديكالية حاول فيها الإيرانيون انتزاع السيادة من فكّي الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية. ظهر هوارد باسكرفيل الشاب الأميركي الذي وصل إلى تبريز كمدرّس عام 1907، قبل أن يخلع جنسيته وينضم إلى الثوار ويموت متظاهراً مع الإيرانيين برصاصة في القلب عام 1909.
أولويات أميركية معهودة: نفط عسكر واستبداد
لم يكن صعود رضا شاه في العشرينيات قصة رجل «عصامي» كما أحب الغرب وموالوه تصويره، بل نتاج انقلاب مدعوم بريطانياً ودورة عنف أعادت تشكيل الدولة بالقوة. في الخلفية، كانت واشنطن تتحدث بلغة مثالية عن تقرير المصير بينما تتصرّف على الأرض بمنطق مختلف تماماً: النفط أولاً. دخول شركات مثل Standard Oil، وإرسال خبراء ماليين أمثال آرثر ميلسبو، لم يكونا تعبيراً عن تضامن مع مشروع دستوري متعثر، بل محاولة لاقتناص موطئ قدم في اقتصاد يتقاسمه البريطانيون والروس.
فرض ميلسبو ضرائب قاسية على أفقر الإيرانيين لتمويل دولة الشاه الحديدية، بينما كان يكتب نصوصاً تُرسّخ صورة أميركا كوسيط نزيه يقف على مسافة من الأطماع الإمبريالية. على الأرض، كانت البضائع الأميركية تغرق السوق الإيراني: سيارات «جنرال موتورز» وماكينات «سنجر» للخياطة، وإلى واشنطن يصل السجاد الفارسي والفستق والتمر من طهران. وبعيداً عن مكاتب المال والسياسة، يوثق المخرج ميريان كوبر في فيلم «Grass» (1925) حياة قبيلة بختيارية، منتجاً صورة تُعيد تغليف إيران كعالم منسي جاهز للاستهلاك الغربي. هنا، يتقاطع كل شيء: المال، والخيال، والسلطة.
حظة محمد مصدق
في صيف عام 1953، كانت شوارع طهران على أعتاب كارثة سياسية كبرى. ومع ذلك، لم يكن كثيرون يعلمون ما الذي يلوح في الأفق. محمد مصدق، الزعيم القومي الذي تحدى الإمبراطورية البريطانية بتأميم النفط الإيراني، أصبح الهدف الأبرز لقوى كبرى تشعر بالتهديد. بريطانيا، التي فقدت السيطرة على نفط إيران، شعرت بأنّ كل يوم يمر على مصدّق يمثل خسارة للثروات والمكانة الاستراتيجية. أما الولايات المتحدة، فكانت مستعدة لاستغلال هذا الخلاف لضمان نفوذها في منطقة النفط، ومنع أي تقارب محتمل بين إيران والاتحاد السوفييتي.
في صباح 19 آب (أغسطس) من ذلك العام، خرجت حشود مدفوعة الأجر، مدعومة من الشرطة ووحدات الجيش التي اخترقها الأميركيون مسبقاً. تقدمت الدبابات وحوصر بيت مصدّق ورفض إصدار أوامر لمقاومة الانقلاب لتجنب إراقة الدماء. بحلول المساء، استسلم للجنرال فضل الله زاهدي، وجه الانقلاب. يرى أصغري أنّ أحد أكبر أخطاء مصدّق رهانه على أميركا. بينما كان يحاول بناء جسر ديبلوماسي معهم، كانت «وكالة الاستخبارات المركزية » تتخذ خطوات سرية لإسقاطه، مستعينةً بموظفيها، وشبكات التجسس البريطانية، وعصابات الشوارع لخلق حالة من الفوضى.
قبل الثورة وأثناء الحرب الباردة
أعلن الرئيس الأميركي آنذاك أيزنهاور «سياسة النظرة الجديدة»، عبر دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية الموالية لأميركا، وجُنّدت النخب الإيرانية لتكون عناصر وسيطة بين واشنطن وطهران. خلقت ما يمكن تسميته رجال دولة يفكّرون كعملاء أكثر من كونهم حكاماً. لم يتوقف التغلغل الأميركي عند سياسات التسليح والعلاقات الرسمية، بل امتد إلى أروقة التعليم وإنتاج الثقافة عبر مؤسسات مثل «أصدقاء أميركا في الشرق الأوسط» التي حاولت إعادة صياغة الوعي الإيراني وفق منظور غربي.
يتعمق أصغري في تيارات السياسة الإيرانية بين 1957 و1975، كاشفاً ما وراء واجهة الحداثة البراقة من توترات وتناقضات وغليان: صورة لأمة عالقة بين إصلاح مفروض ومعارضة شعبية، حيث دعم الولايات المتحدة غير المشروط لملكيات استبدادية عمّق الهوة بين الحاكم والمحكوم. يستعيد أصغري خطابات الخميني المبكرة عام 1963، وما تضمّنته من انتقادات للشاه لم يجرؤ أحد على التعبير عنها منذ الخمسينيات. رسالته اخترقت الطبقات الاجتماعية من ضباط الجيش والسياسيين إلى التجار والعلماء والطلاب، وشملت العمّال والفلاحين مهيّئة شرارة نيران الثورة القادمة. وكان رد النظام سريعاً وحاسماً: اعتقال الخميني ونفيه إلى تركيا.
يسلط الكاتب الضوء على البُعد العابر للحدود للمعارضة الإيرانية، خصوصاً اتحاد الطلبة الإيرانيين. من أوروبا والولايات المتحدة، نظم آلاف الطلاب احتجاجات صاخبة سنة 1964 في النمسا وإيطاليا وواشنطن، حيث ارتفعت أصوات الطلاب مطالبين بإطاحة «ملك القرن العشرين الإصلاحي».
طريق الثورة
يأخذ أصغري القارئ في رحلة مشحونة بالتفاصيل الدقيقة إلى قلب الأزمة الإيرانية في نهاية عهد الشاه، تلك اللحظات الحرجة التي سبقت سقوط النظام الملكي وتحويل إيران إلى جمهورية إسلامية.
أدركت إدارة كارتر، بعد فوات الأوان نسبياً، أنّ الثورة الإيرانية قد بدأت فعلياً. وتأخر البريطانيون أيضاً، ولم يكن الداخل الإيراني أقل اضطراباً. الجنرالات الكبار كأنهم مجموعة ضائعة من الأيتام، عالقون بين الولاء للشاه والخوف من الثورة.
رحل الشاه في 16 كانون الثاني (يناير) 1979، خرج «كفأر ميت» كما وصفه أحد الجنرالات. في الموازاة، بدأت الاتصالات الأميركية المباشرة مع المعارضة المعتدلة والخميني، لتأمين انتقال السلطة بسلاسة وتفادي انقلاب دموي محتمل. رسالة الخميني إلى كارتر تؤكد أنّ الثورة قادرة على حسم الأمور بنفسها.
يتوقف أصغري عند أزمة الرهائن الأميركيين سنة 1981، وفضيحة «إيران–كونترا» عام 1985، وإسقاط أميركا طائرة ركاب إيرانية في 1988، وتغذية إسرائيل وأميركا للحرب العراقية الإيرانية مزودةً الطرفين بالأسلحة لتبقى المنطقة مستنزفة إلى أبعد حد. ويتتبع صعود خاتمي، وطموحات جيل ما بعد الثورة، والصراع بين الحركات الإصلاحية والدولة العميقة. وآمال الإصلاحات التي خابت في أواخر التسعينيات، من دون أن يتجنب الخوض في الواقع القاسي للمعارضة وقمع احتجاجات الطلاب بعنف وإغلاق الصحف الإصلاحية.
تظهر الجمهورية الإسلامية الإيرانية في كتاب أصغري كائناً حياً ذكياً يرتكب الأخطاء ويحقق الإنجازات، قادراً على التنفس في أجواء الاختناق التي خلقتها العقوبات الأميركية والتحديات الإقليمية التي لم تهدأ عبر العقود. فالولايات المتحدة، منذ منتصف القرن العشرين وحتى ترامب، كانت قوة معادية تدخلت سياسياً، اقتصادياً وعسكرياً، وحاولت إرغام إيران على الانقياد، بدءاً من انقلاب 1953 مروراً بالعقوبات الخانقة وحتى حملات الاغتيال المستمرة للعلماء والضباط الإيرانيين وصولاً إلى الحرب القائمة هذه اللحظة.
كتبته: وصال الوردي
بتاريخ: 02.04.2026